الخميس، 5 فبراير، 2015

نويــــبــــع






رحت مرة هناك ضمن لفة في جنوب سينا في 95 .. وبعدين زيها في 99 .. ورحت شرم بس في 2007 .. وبعدين نويبع بس في 2015

قبل الثورة كان من كتر ضغط الإقبال السياحي علي شرم ودهب وكاترين وطابا ، بيتبقي برضو ناس بتيجي نويبع كإختيار أخير بس بتبقي مليانة بشكل كبير برضو ..

طول الطريق وأنا معدي جمب القري السياحية ومكاتب الغوص والسفاري والكافيتريات ، بفكر في سذاجة اليفط والإعلانات عن الأماكن دي ، الحقيقة الناس هنا مكانتش حاسة إنها محتاجة إعلانات أساسا ، مجرد يافطة عليها كلمتين إنجليزي بإسم المكان والهدف منه .. السذاجة دي كفكر تسويقي محسوسة دلوقتي بس في ظل حالة التصحر السياحي ، تاني حاجة فكرت فيها أساطيل سيارات السفاري والبيتش باجي اللي ماكانتش بتقف ، اللي لاحظته كذا مرة بواقي عربيات مُنظمِين سابقين بيستخدموها في التنقل الشخصي ..

فيه بعض القري أو الفنادق شغالة بشكل معقول خلال الأعياد حسب ما سمعت ، بس ده شئ لا يذكر طبعا مقارنة بالوضع السابق ..

الحقيقة كلامي هنا مش عن السياحة أساسا .. كلامي عن الزراعة ، أيوه ..

من بداية تحرير سينا وبداية إستقبال السياحة فيها وإعتماد السكان المحليين أو المستوطنين من المحافظات علي السياحة هناك بشكل كامل ، يعني محدش تعب نفسه علي الإطلاق في التفكير في أي مهنة تانية ، الفلوس كانت بالهبل لدرجة إن البدوي العامل في السياحة ممكن يدخل أي مكان يدفع 10 أضعاف سعر السلعة أو الخدمة وولا يهمه ، ممكن يرمي السلعة لو هي عربية حتي ويجيب غيرها عشان مش فاضي ومش في دماغه يصلّحها ..
النهاردة السكان المحليين بيصحوا يوميا علي مأساة إن اللي منهم معاه فلوس باقية بتخلص ، واللي منهم مش معاه أساسا ، الإتنين معندهمش خبرة يشتغلوا أي حاجة تانية غير السياحة اللي إنتهت .. والمخدرات مينفعش تعتبرها مهنة رائجة هناك حاليا لأنها مش مهنة أساسا ..

في 2007 بدأ حد يقنع السكان - وده من قبل الثورة آه - إن السياحة مش كل حاجة يا جماعة ولازم تتعلموا حاجة تانية ، رغم إن هو شخصيا كان شغال في السياحة ! بس لا حياة لمن تنادي .. بدأ هو مشروعة الخاص ، مزرعة حبيبة ، التابعة لمشروع سياحي عادي تاني كان بدأ قبله هو قرية حبيبة .. (مستر ماجد) بيدعو أبناء نويبع وسيناء ومصر - والعالم - للزراعة العضوية ، اللي مش إختراع عامة ، بس إحنا كمصريين معندناش برضو الثقافة دي ، وبيخلط بين الزراعة والسياحة في السياحة الزراعية ، مزرعة حبيبة العضوية فيها تدريب لأي حد عايز يتعلم الزراعة النضيفة اللي مالهاش في المبيدات ولا الأسمدة الصناعية ، مستر ماجد شخصية جميلة جدا تقدر بسهولة تلاحظ حماسه اللي بينافس بيه الشباب ناحية خدمة مجتمعه الصغير ، بإنه يعّلم السكان هناك إزاي يزرعوا ويستفيدوا بأراضيهم الواسعة ، المزرعة فيها كمان تدريب علي البناء من مواد صديقة للبيئة ، هي قايمة بالكامل علي فكرة إحترام البيئة وتوظيف المخلفات وإعادة الإستفادة منها سواء في الزراعة أو البناء أو متطلبات الحياة عموما ، كنت كل ما أسمعه بيتكلم يقول "نفسي ننتج اللي بناكله ، مش هناكل بنكنوت " .. " لما بيحصل مشاكل سينا بتنعزل عن مصر واللي بحاول أعمله عشان أخلينا نلاقي ناكل ساعتها" ..

أنا رحت المزرعة هناك وإتعلمت مبادئ بسيطة جدا كبداية .. فيه هناك مصريين وأجانب بيتعلموا ويعلّموا .. عايز أنوّه إن فيه بنت مصرية زي أي بنت بتشوفها يوميا ضمن ملايين ، مقيمة هناك شهر لوحدها تماما في مكان غريب عشان تعلّم أطفال سينا عربي وإنجليزي ! .. حاجة تخليك تنحني ليها إحتراما .

المزرعة كمان الإقامة فيها تكافلية وأسرية جدا ، محدش هيعملّك الأكل ، إنت اللي هتعمله بعد ما تاخد الخضار من الأرض ، وإنت اللي هتحضّر السفرة ، وإنت اللي هتغسل ، وإنت اللي لو شفت طفاية السجاير مليانة هتقوم تفضيها ، وإنت اللي هتحافظ علي إستهلاك الكهربا والمية (الغالية جدا هناك) محدش هيعمل كده مكانك .. فيه أجانب بييجوا من دول بعيدة عشان يقيموا في البيئة دي بكل تفاصيلها وبيدفعوا فلوس !

خلال إقامتي قابلت موظفين في وزارة السياحة وفي مركز بحوث الصحراء وأعضاء منظمات سياحية غير حكومية مهتمين بتنمية مجتمع سينا بشكل عام ونويبع بشكل خاص ، والحقيقة إن عندهم أفكار كويسة جدا عن تطوير المدينة وتسويق الأعمال اللي فيها لجلب السياحة سواء شاطئية أو زراعية حاليا بعد ما عجبتهم فكرة مستر ماجد . بس اللي لاحظته كمان إن السياحة كان لازم تنهار عشان الناس دي تجتمع مع بعض وياخدوا بالهم البلد محتاجة إيه ! .. وياخدوا بالهم إن السياحة ، والبترول ، والمعادن ، وأي إقتصاد ريعي مافيهوش مجهود ممكن يقف في أي لحظة ولازم نبقي عاملين حسابنا ومطوّرين نفسنا .

فيه في نويبع مزرعة عملاقة كانت إسرائيل بتصدّر منها فواكه للخارج ، حاليا مقفولة بأرضها الخصبة بمنشآتها عشان الظاهر بنقرف نستخدمها مطرح اليهود !

التعامل مع الأجانب مثمر جدا في إنك تتعلم حاجات كويسة ، بعد الإنجليزي طبعا ، تتعلم إن عادي يبقي عندك 57 سنة وبتتفاني في الشغل كإن عندك 20 سنة ، عادي تبقي بنت في العشرينات وتشتغلي في أعمال بدنية زي الرجالة بالظبط وأكتر ، عادي أجنبي غني في بلده من الزراعة برضو ، ييجي ينزل بركبه عالأرض ويشتغل كإنه لسه عامل زراعي بسيط ، تتعلم التواضع والتفاني في الشغل والإهتمام بصحتك وبالبيئة وبالغير ، وده يخليك تفكر إن معاييرنا الغلط بتخلينا في مصر بنستغرب اللي بيشتغل بإيده ويبذل مجهود بدني عشان هو عنده سلطة ، فكّر هتقول إيه لو شفت مكان الأجنبي الغني ظابط أو وكيل نيابة مصري ! مع إن دول مش أغنيا أساسا !

المسئول عن مزرعة مستر ماجد شاب سيناوي إسمه إبراهيم ( شمالي مش جنوبي) ، قناص البادية زي ما بيحب يسمّي نفسه ، من أحسن الشخصيات اللي ممكن تتعامل معاها ، ومن قبيلة شهيرة ناس كتير بتفترض سوء الخلق أو الإجرام فيها وهو علي العكس 180 درجة ولو إتكلمت معاه لا يمكن تحس غير إنه أخوك فعلا .. هيعّلمك ومش هيبخل عليك بأي معلومة تتعلق بالزراعة أو بالمدينة أو التقاليد هناك ..

كلمة للمستثمرين .. في نويبع الخدمات ضعيفة جدا ، السلع الترفيهية أغلي شوية من سعرها الحقيقي إن وجدت ، المياه العزبة موجودة للشرب بس للزراعة تعتبر غالية شوية فالأغلب بيستخدموا مياه فيها ملوحة وده بيسبب بعض الصعوبات في الزراعة بس بيتم التغلب عليها عادي ، الناس هناك بدأوا يستجيبوا ويتجهوا للزراعة وده هيخلق سوق عمل جديد .. تخيّل مدينة كان كل إعتمادها حرفيا علي مدن تانية تبعت تشتري منها كل حاجة جديدة ، معندهاش إضطرار الصيانة لسلعهم القديمة ، وفجأة بقوا محتاجين .. فرص العمل هنا للميكانيكية والسمكرية والنقاشين وبتوع الموبايلات والريسيفرات وكل الحرف اللي مش فاكرها هايلة .. وللمشاريع الكبيرة أو المتوسطة المتعلقة بالزراعة أو إعادة تصنيع القمامة أو التجارة الغذائية والصناعية هايلة برضو للي عايز يتعب ويشغّل مخه .. فيه واحدة بتشتري الحُلي والأساور المشغولة يدويا من الستات المحليين وتعملّها ماركة وتبيعها بأسعار كويسة !

كلمة للحكومة ... الطرق ثم الطرق ، الطريق الأوسط (النفق - نخل - طابا) كويس بس آخر 50 كيلو متدمرين تماما بين الجبال بسبب تساقط الصخور ، وكون مفيش شبكة موبايل وطبعا جي بي إس دي كارثة مش عارف إزاي ساكتين عليها !

طريق (أبو رديس-كاترين-نويبع) الأسفلت كله حفر قاتلة ونفس الكلام بالنسبة للموبايل .. ده غير إن الطريق من كاترين لأبو رديس سمعت إنه مقفول للرحلات والسياح أساسا !

طريق (أبو رديس - شرم - دهب) مامشيتش فيه بصراحة قريب فمعنديش معلومات عنه بس فكرة نقص الشبكة بين الجبال موجودة برضو ..

مفيش كلام ممكن يتقال عن الصورة الذهنية السيئة لأهل سينا اللي بتخلّي أي حد غريب يشوفهم مجرمين ، وبتخلّي كلمة بدوي وصمة عار حتي يثبت العكس ، سواء في تعامل مع أكمنة أمنية أو حتي تعامل المحافظة مع أهل المدينة ، علي عكس طبعا - وياللعجب - تعاملها مع المستثمرين الأغراب .

مطار طابا ومطار كاترين ، عايزين إعادة بناء تقريبا ، وأعتقد فيه ناس زيي مكنتش تعرف إن فيه مطارات هناك أساسا ..

فنادق طابا ونويبع حسب كلام مستر ماجد مابتشريش لحوم من البدو الرعاة ، عشان حيواناتهم بتتغذي عالقمامة ، وحسب كلامه برضو لو المحافظة وفرت مراعي للرعاة ، هياكلوا منها وهيبيعوا للفنادق ، وهيبطلوا يمشوا في الشوارع .. مكسب لجميع الأطراف !

أتمني كل معلومة قلتها تكون قريبة من الصح بقدر نيتي وأتمني كلامي يغيّر حاجة وأتمني أي حد يستفيد بعد طبعا ما يحاول يروح يشوف بنفسه ، كلامي عن مزرعة حبيبة العضوية بشكل خاص وعن نويبع بشكل عام .

لينك الصفحة الخاصة بالمزرعة 
https://www.facebook.com/habibacommunity
لينك إستمارة الإشتراك بالتدريب علي الزراعة 

https://docs.google.com/…/14NvDL0-o7OAe6fuIPCOirRu…/viewform



السبت، 27 يوليو، 2013

الشعب وما يريد !






الغالبية العظمي من مؤيدي عبدالناصر ومحبيه - وقتها وحتي يومنا هذا وبعد إرتفاع أسهمه بغباء الجماعة السياسي - كان بشكل أساسي بسبب تحديه للـ"إقطاعيين" لصالح "الغلابه" ، ثم ظهر خطابه القوي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية والإملاءات الخارجية عامة . كان بسبب تحديه للإسلاميين بمرشدهم الراغبين في خنق الشعب بـ"الطرحة" ، ثم جاء تحديه الجرئ للعالم بتأميم قناة السويس . كان لحرب الإستنزاف ضد إسرائيل أيضا تأثيرا كبيرا . لم يكن التأييد راجعا كثيرا لإنقلابه علي الملك أو نظامه الإشتراكي أو الإذاعة والتليفزيون أو التعليم الجيد أو منح المرأة مزيدا من الحقوق أو أو ..

أما عن السادات ، الرجل الثاني ، فالغالبية العظمي من تأييده وحبه ، في الماضي والحاضر أيضا ، كان بسبب طرده للخبراء الروس العجائز الممثلين لهيمنة روسية ، وإنتصار أكتوبر الذي إسترد الكرامة المفقودة - دون خوض في تفصيلات خططه العسكرية مثار الجدل . كان أيضا لصولاته وجولاته في ليبيا تارة وفي الجزائر تارة أخري ، لسخريته من دول لها أكشاك علي الخليج ! ولم يكن لإعادته العمل بالأحزاب أو لإنشائه مدنا جديدة بأهداف صناعية .

كذلك مبارك من بعدهما ، كان العامل المؤثر تحديدا في دعمه في قلوب الأعم من المصريين ، هو قوة وبطش شرطته لكلا البلطجية ، والإسلاميين وإرهابهم المحتمل – صدقا كان أم إفتراءً . كان لرمزية الضربة الجوية الأولي في الحرب ضد العدو . كان لقوة نظامه التي أشبعت بنا جميعا العبارة الشهيرة : "إنت مش عارف إنت بتكلم مين !" . كان التأييد لـ"صلابته" و"ثباته" في إقرار السلام مع إسرائيل . لم يكن إطلاقا للمترو أو للكباري ، ولا لشرم الشيخ .

حَلِم الإسلاميون أيضا ورأوا في محمد مرسي الرئيس القوي ، الذي قام بالبطش بالصف الأول للعسكر ، القادر علي سحق الفلول والعلمانيين والإشتراكيين وباقي أعداء المشروع الإسلامي ، القادر أيضا بأحلامهم علي فرضه – المشروع – علي العالم بالقوة . المُلفت هنا أن كان الإخوان تحديدا يحملون فقط خلاصة نقية من القوة الغاشمة والثبات في وجه العدو - وهو الأمر المحبب نظريا بمقاييس من سبق - ولكن دونما أية إنجازات ليتجاهلها الإسلاميون بدورهم مقابل القوة ، ولو حتي لحظية كحرب السادات ! أما العجيب ، أنهم شذّوا عن الشعب المصري وأعلنوا إنجازات وهمية . وهي التي لم تخدع الشعب لوهمها ولكونها لا إعتبار لها أمام المعايير المفضلة للأغلبية .

والآن يأتي لنا السيسي الذي عكف علي دعم الجيش بإصلاحات مادية ومعنوية خلال السنة الماضية ، وأصلح كذلك الصورة الذهنية التي أفسد المجلس العسكري منها الكثير بتكريمه – السيسي- للفريق سعدالدين الشاذلي ، وهو ما يوصّل رسالة أن المؤسسة لا تنسي أبناءها ولو بعد حين ، قام أيضا بدعوة الفنانين لحضور تفتيش الحرب ، دعي لجلسات صلح لرموز السياسة وأرسل رسالة بدعمه للشرطة في إتخاذ الحياد حلا . ولكن ، أتت غالبية مؤيدي الجيش في شخص السيسي من جرأته وثباته في تحدي مرسي ثم عزله الذي مثل تحديا أكبر للمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط .

خلاصة الكلام ، نحن شعب لسنا "بتوع إنجازات" ، نحن نقدّر "الفراودة" و "العتاولة" ونحب أي "أدَرجي" ، ويؤكد ذلك كل مصطلحات الثقافة الشعبية . "البلطجة" ستظل نسبية ومحببة بقدر تحقيقها لطموحات الشعب العنتري ، والقوي هو من يكسب الأرض فيكسب قلب الشعب . حتي لو لم يصنع إنجازا إقتصاديا أو ثقافيا أو إجتماعيا أو تعليميا أو صحيا أو ..

للأسف كنا ولازلنا بين قوتان عظميتان في مصر ، الإسلاميين وذوي الخلفية العسكرية ، ولن تفرق الإنتخابات القادمة كثيرا ! ولكن الحل لن يتأتي من جانب أولئك الحائرين بين هاتان القوتان . الحل لدي أحدهما ، الإسلاميين .. وهو حل سيرضي كذلك الحائرين . للإسلاميين أقول : هل تريد التخلص من شبح الفاشية العسكرية ؟ إدعو وأنصح أصدقائك حاملو السلاح ، والإرهابيين قانونا ، بأن يرموا السلاح ويحتكموا للقانون ولرأي الشعب الذي لا تعبر عنه فقط الصناديق .

الفاشية هي ما تصنع تمجيدا وتأليها للقوة القادرة علي ردعها . الإسلاميين هم من يصنعون العسكر ، كما صنع العسكر الإسلاميين ، وبالصناعة هنا لا أعني الخلق ، وإنما الصعود والإمساك بأوراق اللعبة السياسية .



الثلاثاء، 19 مارس، 2013

خيوط






في الماضي لم نكن ندري شيئا .. أعتقد أن هذه العبارة تلخص كل شئ .

لاحظت والكثيرين غيري من بداية ظهور شبكات التواصل الإجتماعي ، ومؤخرا في ظل إنتشار ما أطلق عليها "الكوميكس" التي إنتشرت في الصفحات والجروبات العامة والخاصة ، بل وأنشأت لها صفحات خصيصا تحت مسميات مختلفة ، لاحظت القوة التي تربط هذه الأشياء . تقوم الفكرة علي ترديد تصريحات الساسة والمسؤولون وربطها بمواقف من الحياة أو من الأفلام أو إقتباسات المشاهير بشكل ساخر ، وإن كانت هذه السخرية السياسية قليلة وفي ظل مناسبات ومواقف محددة . ولا أتحدث هنا عن الساحة المصرية فقط فالواقع أن الفكرة تتسم بالعالمية وتتعلق أكثر بربط الماضي بالحاضر لتحقيق إسقاطات مضحكة علي مدي تكرارنا لنفس الأخطاء .

قديما ، وقبل أن تكون الإتصالات عالمية وقبل أن ينكمش العالم لقرية صغيرة ، كم كانت فرصة أن تلتقي – محليا حتي – بشخص له نفس تفكيرك ؟ .. لم يتوفر للإنسان قبل الآن أن يقابل بسهولة من يحمل ذات معتقداته وثقافته الإجتماعية – بل والعائلية – ويناقشه بها وتصبح حتي مادة للسخرية . كان المواطن العادي في أي مكان يعتقد دوما أن مواقفه اليوميه مع والديه إنما تخصه وحده ولا مجال لتكرارها في أسر أخري ، لم يعتقد أن مدرس آخر يقول نفس كلام مدرسه لطالب بمدرسة أخري في الطرف الآخر من الدولة ، لم يعتقد أن أفكاره التهكمية حول غباء شخص ما يشاركه نفسها طفلا أسيويا أو أيرلنديا ، فقط بلغة مختلفة .

تنشر جروبات موقع فيس بوك يوميا مئات بل وآلاف "الكوميكس" شارحة مواقف يومية يتعرض لها الإنسان بشكل ساخر ، ويضحك عليها المئات مؤكدين تعرضهم لنفس الموقف بل وإتخاذهم نفس إتجاه التفكير نحوه . ألا يدعو هذا للعجب إذا فكّر به مواطن التسعينات ؟ .. وبتطبيق الأمر علي أسمي أهداف الحياة وهو التواصل – الواقعي تحديدا – فإننا نجد فرص إلتقائنا بأناس يفهموننا ويوقروننا ويدركوا نقاط تلاقينا ويُعلوا من شأننا ويسلبوا أرواحنا بلمساتهم الواعية بتفاصيلنا ، نجدها أقوي وأقرب بمساعدة التكنولوجيا . نحن نجد يوميا مئات طلبات الصداقة الإفتراضية تحت دعوي تماثل الشخصية ، قد يرفضها البعض ويقبلها الكثير بإختلاف الأسباب . يتعرف المئات من محبي الكاتب هذا أو مؤيدي السياسي ذاك أو مغرمي النوتة الموسيقية تلك . يتعرفوا ويتصادقوا وينتقلوا لعالم الواقع بأحلامهم الموحدة .

ربما علي العالم – وعالمنا البدائي خاصة – أن يعيد صياغة مفاهيمه ، وأن يرتب أفكاره . كونك وحيدا في ماضيك لم يكن لأنك عاجز عن التواصل ، أو لكونك قليل المواهب ، بل فقط لأنك لم "تتصل" بشكل جيد . الآن عرفت أن بالعالم من يحلم مثلك ، يحب مثلك ، يعتقد مثلك ، يفكر مثلك ، يكره حتي مثلك . ليس عيبا أن تبحث وأن تصل بمن يبحث عنك . ليس عيبا أن تزامل وترافق وتصادق وتحب .

الثلاثاء، 25 ديسمبر، 2012

عن العادة






هي تبدأ بإستيقاظك مبكرا بحلق جاف ومعدة ملتصقة ، وعينان مأموران بالعبس نحو الطعام . فتجد في مشروب ساخن ملاذا سالكا . تكرر الأسباب فتتكرر النتيجة فتصبح عادة ، تكثر من الجلوس في الأماكن التي تبدأ بـ : "عندنا كل حاجة" وتنتهي بـ"قهوة ، شاي ." . تبحث عن الدفء شتاءا وعن جلسات النميمة التي تتطلب فواصل صيفا . تجد عشقا . ربما تجئ يوما فلا تجد برادا نظيفا أو عاملا مستيقظا أو أنبوبة ممتلئة ، ربما تعبس وتتجاهل الأمر . أنت الآن أصبحت تبحث بالفعل . شفتاك تشتاقان للسحب ، أنفاسا أو قطرات . ساخنة دوما . ستقول يوما هآنذا قد مررت بمراهقتي وضعفي ولم أمارس التدخين ، فلم الآن وقد أصبحت رشيدا ألا أفعل ، يقولون أن عملي هذا يجعل ممارسه عصبيا ، العصبي يدخن هذه أعرفها بالتأكيد . أحتاج حقا لتلك الوجبة المتكاملة ، ساندوتش الطعمية الصباحي ومعه كوب الشاي والسيجارة ، "كومبو" . دعك من العادات فهذا فقط أنا الآن . أسمعها من حولي بعد ذلك كلما مررت ، واحدة تلو الأخري تجعلني مشتاقا لأجرب هذا السحر الداكن ذو الرائحة النفاذة مع عامود السحاب المحترق هذا ، لربما يعطي مزيجا أخاذا . أترنح بين الأرفف بأقرب محال باحثا عن عبوات ترضي غروري بفخامتها ، فأنا حين أشرب القهوة سأفعلها بإحتراف ، سأقول أني أعشقها ، أدمنها ، لا أشرب سوي هذا وذاك فقط من الأنواع ، هذا يشعرني بالزهو حتما . سأضغط علي أحرف إختياراتي حين أطلبها وتضيق عيناي حين أعدها لنفسي ، أرتشف الفنجان الدقيق مرضيا شفتاي بفعل السحب ، وسط بخارها ودخان السيجارة الرفيقة ، لم أعد أختلف عنهم الآن ، أنا الآن إجتماعي بدرجة أكبر ، ولكن لم تشعرني القهوة بالرغبة في طلب الوحدة ! شعوران متناقضان غريبان ! .. هي تبدأ بإستيقاظك مبكرا برغبة مقيتة في القئ ، ومعدة ملتصقة تأبي ذلك . صداع وإحساس بالإحتياج ، فراغ يملؤك . تشعر بذلك النقص والرغبة في الضيق ، أنت متضايق لأنك ترغب . أصبحت تحس بألفة نحو هذا الشعور . وتعززه بما تظن أنه يزيله ، ذلك العشق . ستصحو لتجد علبة فارغة أو كيسا متهاويا ، ستنادي هنا وهناك ، ستمر بلحظات عنفك التي أصبحت أنت . لن تجدها غريبة . لن تسأل ولم الذل ؟ فهي تبدأ بإستيقاظك ، فقط بتلك اللحظة حين تعجز عن سد عجزك في عدم إشتياق الطعام . هي تخل موازينك أيضا فتأكل حيث لا يجب وتصوم حيث لا ينفع فتجدك مريضا برغباتك عليلا بها ، هي تبدأ كذلك فلا تبدأ  

الجمعة، 26 أكتوبر، 2012

رحَلَت







يقتربا فأري ضحكتكِ تفيض
أعانق شوقا صيّرني عنيد
سأربّي رجلا فإمرأةً
بعدكِ عنكِ لم أعدَ بعيد

كيف لكائن يُضعفه التوق
أن يغدو مثالا لمن نظر لفوق
أن يعدُ بأحلامَ عيونٌ تبكي
أن يري غد إلا يخنقه كطوق

أترِي الآن صغيرِك يحبو ؟
أراقبتي ضفائر علي كتفٍ تحنو ؟
يُبهجني كم يشبهكِ الوجه
فشُعلتكِ بقلبي أبدا لن تخبو

أشعر لمساتكِ تسبقني لخصلاته
تُفقِد عيناها صبري ثباته
أبكي لأحرفها .. ماما
أكذب عن دمعي مرتجلا علّاته

ما أنتِ اليوم فيما يحيط ؟
شمسا ، أثيرا صرتي ، أم محيط ؟
يوقظني الصوت ذاته
فقدكِ أشعرني بمضمون لقيط


سأظل إليكِ أعاتب عجزي
أخفيه بصدري من وضعي المُخزي
ألم تعديني معا نتسنّي !
لن ترَي مني أبدا ما يؤذي !

أفتقدكِ حقا ، أتكوّي
فَلتا كفاي من دنيا لهُوّة
زِنت بكلماتي ما خان صمودي
ما عاد لقلبي من بعدكِ قوّة

الاثنين، 17 سبتمبر، 2012

يحرق ... وسنينه هو كمان + "تحديث"





كنت عايز أكتب إني إترددت كتير عشان أكتب في الموضوع ده ، بس الصراحه لأ ، مترددتش خالص علي قد ما مجاش في بالي ، وقلت رأيي شفاهة كتير قبل كده بس قوبل إما بإستخفاف رغبة في تغيير الموضوع وإما بإستهجان شديد .

" الحجــــــاب "

بسأل ناس كتير من العاديين ، ومن غير ما أسأل ، عن رأيهم في فرضية الحجاب .. والإجابة بتكون : فرض طبعا يا عم إنت بتتكلم في إيه ، أسأل طب فرض ليه ومين اللي قال ؟ .. ولا أجد رد أكتر من : يا عم إنت أهبل ! .. إنت يعني شايف إن الحلال إن البنات تقلع ملط ؟ .. وأدور أنا علي لفظ القلع أو الملط في سؤالي !!
عشان أكون منصف لما حاولت أقرا في الموضوع ده وأتبني رأي محدد ، قريت في الإتجاهين ، الفرضية وعدمها ، ولقيت إن مع تجنيب موضوع إن أي كلام عن الحجاب بياخدنا لعصر الجواري والحرائر ، نلاقي إن الإختلاف في تفسير الآيات القرءانية اللي بتتكلم عن "الحجاب" ، حوالين إن ناس بتقول إن الكلام موجه علي وجه الخصوص لزوجات الرسول ، وناس بتقول لأ ده لزوجات الرسول وغيرهم بالتبعية .

طبعا أنا مش مفتي ولا داعية ولا حتي دارس ، بس أنا قريت في الموضوع وبعرض التفسير اللي أنا مقتنع بيه اللي هو إني مع إن الحجاب مش فرض .
بالرجوع لموضوع الجواري والحرائر أولا ، ببساطة جمهور الفقهاء أجمع إن الجواري عورتهن كعورة الرجال ، وتفسير ده بحاجة الجواري إلي الكشف عن أجزاء من أجسامهن بحكم المهنة أو كثرة قيامهن بأعمال الخدمة .. فكانت جواري "عمر" يخدمن الصحابة مكشوفات الشعر بل مكشوفات الصدور وأن عمر بن الخطاب كان يضرب أية جارية تحاول أن تتشبه بالحرائر أو وجدها تلبس جلبابا أو خمارا . أما السبب الثاني فهو إعتبار الجواري نوعا من المال والغنيمة وعرضة لعملية البيع والشراء ، الأمر الذي يلزم عنه التدقيق في سنهن وجمالهن وسلامة أجسادهن وفحصها بحكم تبادلهن كأموال وإتخاذهن متعة وإنتقالهن من يد مالك إلي يد آخر . أي ان التمييز ما بين الجارية والحرة كان بالسُترة للأخيرة فقط ! .. هل جاء هذا التمييز بين البشر بفعل الدين أم بفعل المجتمع !

وبناء علي ذلك ، لو الحجاب فرض ، هل لما الفقهاء دلوقتي بيقولوا إن الحجاب منعا لفتنة الرجل ، طيب ، هل زمان كان الحرائر يفتنون الرجال فلازم نغطيهم والجواري لا يفتنون الرجال فمش لازم نغطيهم ! أين مبدأ إن المرأة عورة !!

نيجي بقي للآية الكريمة  ..

قال الله تعالي : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلي طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فإدخلوا فإذا طعمتم فإنتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فإسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما )

يمكن أن نلاحظ أن سياق الآية وصياغتها يوضحان أن المقصود بالحجاب في هذه الآية ليس هو الثوب كالجلباب والرداء والخمار ، فيستحيل أن يكون المراد أنكم "إذا سألتموهن متاعا" فإسألوهن من وراء ملبس ، بل المراد إسألوهن من وراء "حاجز" ، وهو بالتحديد يقصد نساء النبي فقط ، وأنه من أدلة إختصاص الحجاب الكثيف بزوجات النبي أن النبي عندما تزوج غيابيا من أسماء بنت النعمان وأرسل أبا أسيد الساعدي لإحضارها ، قال لها أبو أسيد : "إن نساء رسول الله لا يراهن أحد من الرجال " ، وأنه عندما حدث ولم يدخل بها النبي – صلي الله عليه وسلم – أقامت بالمدينة حتي تزوجها المهاجر إبن أبي أمية في عهد عمر ، ففزع عمر أنها تزوجت بعد رسول الله – صلي الله عليه وسلم – فقالت له موضحة سبب زواجها : " والله ما ضُرب عليّ الحجاب ولا سميت أم المؤمنين " ، فكف عنها .. ( يعني ما دخلتش بيت النبي ولا بقت بتكلم الرجالة من وراء حاجز) . ومن الأدلة أيضا علي إختصاص آية الحجاب علي نساء النبي أنه عقب أسر صفية بنت حيي في غزوة خيبر سنة 7هـ وعند دخول النبي بها تساءل الصحابة هل سيتزوجها النبي أم سيعاشرها كجارية مملوكة ، فقال بعض الصحابة : " إن أرخي عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين ، وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه " (يعني الحجاب فُرض فقط علي زوجات النبي)

وفي آية تانية في نفس الجدال ..

قال تعالي : ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن يُعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما ) .

إن هذه الآية نزلت للتمييز بين لباس الحرائر والإماء ، والآية بذلك وكما يشهد الواقع التاريخي ، لم تجئ بتشريع دائم ، وإنما هو تشريع خاص بحدث معين وبظروف معينة . كانت موجودة في زمان قديم ، ذلك لأن التمييز بين الحرائر والإماء لم يعد موجودا اليوم لعدم وجود إماء "جواري" . وكذلك سبب نزول هذه الآية أن عادة النساء وقت التنزيل كن يكشفن وجوههن مثل الجواري عند قضاء الحاجة في الخلاء لأنه لم تكن عندهم دورات مياه في البيوت ، وقد كان بعض الفجار – من الرجال – يتلصص النظر علي النساء أثناء قضاء حاجتهن ، وقد وصل الأمر إلي الرسول – صلي الله عليه وسلم – فنزلت هذه الآية لتصنع فارقا وتمييزا بين الحرائر والجواري من المؤمنات حتي لا تتأذي الحرة العفيفة ، وكان عمر بن الخطاب إذا رأي جارية قد تقنعت أي تغطت أو دانت جلبابها عليها ضربها محافظا علي زي الحرائر .

وأيضا لما كان الرجال جميعهم تقريبا لهم جواري تنافس زوجاتهم وتثير غيرتهن أحيانا ، مما دعي بعض الزوجات للإنتقام من أزواجهن بخيانتهم مع أقبح العبيد ، فما كان من الأزواج في هذا العصر إلا إحكام القيود علي زوجاتهم وحصر حركتهن وغلق الأبواب عليهن وتمييزهن عند الخروج بالجلابيب الساترة لكي يكن منفردات في المجتمع فلا يقربهن أحد .

والآية التالتة :

قال الله تعالي : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن علي جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا علي عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلي الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون )

الكلام هنا يخص العامة وليس نساء النبي فقط ، ولكن ليس بخصوص الحجاب كما نعرفه .. الرأي المشهور في التراث ذكر أن وجوب التغطية للرأس تم فهمه من جملة (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) وجملة (وليضربن بخمرهن علي جيوبهن) .. بإختصار شديد وللأسف فيه كلام كتير المفروض يتقال كدعم ضد فرضية الحجاب بس هقول منه حاجتين بس لعدم الإطالة ، أولا ، مفهوم الزينة مش ثابت في كل المجتمعات ، يعني مش عشان في مصر الحلق مثلا أو العُقد زينة يبقي في جنوب أفريقيا نفس الكلام ! .. يعني الأذن والرقبة ممكن مايكونوش من مظاهر الجمال عند ناس تانية ، يبقي مستحيل نربط الزينة المذكورة بـ"أجزاء" معينة عندنا لأن القرآن مانزلش للمصريين أو العرب بس ! .. وأصحاب الرأي ده اللي بيقولوا إن الزينة منها الشعر تحديدا رغم عدم ذكره قيدوا فهم النص القرآني بفهم السلف ليتخلصوا من حركة محتوي النص وبهذا المطلب قاموا بإغلاق العقل وجعلوا النص القرآني قومي مرتبط بثقافة العرب في زمان ومكان محدد ، وأساءوا لإنسانية النص القرآني وعالميته فكانوا من الأسباب الرئيسية لإنحطاط وتراجع المسلمين عن ركب النهضة والحضارة .

أما ثانيا : (وليضربن بخمرهن علي جيوبهن) .. فالخمار غطاء بغض النظر عن مكان التغطية سواء كان الرأس أم الجسم أم أشياء أخري والنص لم يستخدم فعل الأمر بالتغطية أو الستر وإنما أتي بفعل الضرب الذي يدل علي إيقاع شئ علي شئ يترك فيه أثرا . كما أن النص لم يستخدم كلمة (الرأس) وإنما إستخدم كلمة (الجيوب) التي هي جمع (جيب) وتدل علي الفتحة بين شيئين . والجيب في الثياب معروف ومن الجيوب فتحة الثياب من جهة العنق ، أي الصدر وليس للرأس أي علاقة ! .. وسبب نزول هذه الآية أن النساء في زمن النبي وما قبله كن يرتدين الأخمرة المغطية للرؤوس ويسدلنها من وراء الظهر ، فيبقي النحر أي أعلي الصدر والعنق لا ساتر لهما ، وطلبت الآية من المؤمنات إسدال الخمار علي الجيوب أي فتحة الصدر ، وعلة الحكم في هذه الآية تعديل عُرف كان قائما وقت نزولها ، ولأن ظهورهن بصدر عاري هو صورة يرفضها الإسلام .


وعشان نبقي مستوفيين ، بالنسبة للأدلة من الحديث .. فأولا أنوه لأن أصح كتب الأحاديث المعترف بها هي صحيح البخاري وصحيح مسلم .. الأول مذكور فيه الحديث التالي في كتاب الصلاة الحديث رقم 362


حدثنا أبو اليمان ، قال : اخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني عروة أن عائشه قالت : لقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يصلي الفجر ، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن ، ثم يرجعن إلي بيوتهن ما يعرفهن أحد .



ومعني متلفعات ، ملتحفات أي مغطيات الرؤوس والأجساد ، والمرط هو نوع من الأثواب .. وهنا ده دليل علي وجوب تغطية الأجساد والرؤوس عند الصــــــلاة ، ولو كان الحجاب (غطاء الرأس) مفروضا لكان ذكر إنه فرض إرتدائه عموما وليس في حديث يتحدث فقط عن الصلاة ، يعني لو كان مفروض عامة مكنش إتذكر في حديث خاص بالصلاة لأن مكنش هيبقي فيه إحتياج بقي ماهو شئ مفروغ منه !

وأيضا هناك حديث آخر في كتاب الإستئذان الحديث رقم 5798 و الحديث رقم 5799 .. لعدم الإطالة ممكن تبحثوا عنهم ، بس الإتنين بيتكلموا تحديدا عن ظروف إنزال آية قرآنية – الآية الأولي المذكورة - تتعلق بوضع ساتر بين زوجات النبي والرجال الآخرين لكيلا يرونهن ، ولا شئ يتعلق بالحجاب علي جميع النساء وبمعناه الحالي .

غير ذلك لم يتحدث صحيح البخاري بشئ عن الحجاب .. وبالمثل لم يفعل علي الإطلاق صحيح مسلم .

 أما بالنسبة للحديث الشهير اللي بيتمسك بيه مؤيدي الحجاب ..

جاء عن أبي داود في سننه عن عائشه رضي الله عنها من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير ، عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة رضي الله عنها : أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها دخلت علي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يري منها هذا وهذا ؛ وأشار إلي وجهه وكفيه )


فطبعا هو وارد عن سنن أبي داود وليس في أي الصحيحين ، بالإضافة لإن الثابت والمعروف بين جمهور الفقهاء إن الحديث ضعيف لأن أبو داود لم يعاصر السيدة عائشة ! .. وحديث ضعيف لمن لا يعرف المعني هو حديث مشكوك في صحة نقله وحدوثه بالفعل أي لا يعتمد عليه .
وده لينك لجنة الفتاوي "السعودية" ! : http://www.alifta.net/fatawa/fatawaDetails.aspx?BookID=3&View=Page&PageNo=10&PageID=6447


وتاني ، لو الشعر مصدر فتنة للرجل فما حكم المرأة التي تحلق شعرها تماما ، برضو فاتنة ؟ .. والمرأة الطاعنة في السن أو التي ليست علي حسن وجمال ؟


في الرأي اللي مع فرضية الحجاب لقيت إن الإستناد فيه لنفس الآيات بالظبط بس بتفسيرها إن المراد منها إن الحجاب والخمار والجلابيب هي مرادفات لغطاء الرأس . وإنها فيها تعميم علي جميع النساء في الآية الأولي والثانية مش بس نساء النبي ، بالإضافة لتفسيرات وإجتهادات فقط من أئمة مثل :

قال الحافظ إبن حجر – رحمه الله – في "الفتح" : (9/224) : " لم تزل عادة النساء قديما وحديثا أن يسترن وجوههن عن الأجانب " إنتهي .
قال شيخ الإسلام إبن تيمية – رحمه الله – الفتاوي :15/297 : " لأن المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله في الرجل ، ولهذا خُصّت بالإحتجاب وترك إبداء الزينة وترك التبرج ، فيجب في حقها الإستتار باللباس والبيوت ما لا يجب في حق الرجل ، لأن ظهور النساء سبب الفتنة ، والرجال قوامون عليهن ) إنتهي .

وكذلك الحديث الشهير اللي قلت عليه .

وده رغم وضوح إن التخصيص كان لزوجات النبي فقط بوجوب وجود حاجز بينهم وبين الرجال بالنسبة للآية الأولي ، وبوجوب أن (يدنين عليهن من جلابيبهن) لتمييز الحرائر من الجواري في عصر إنتهي بالفعل في الآية الثانية ، وإن الزينة لا تتضمن تحديدا للشعر بعينه كزينة .. وإن جملة (وليضربن بخُمرهن علي جيوبهن) لا تتعلق سوي بالجيوب أي فتحات الصدر في الآية الثالثة !

دي الآيات اللي في القرآن اللي بتتكلم عن الإحتشام سواء بشكل عام بالنسبة للمسلمات ،أو عن الإحتشام مع عدم الرؤية من قبل الرجال بالنسبة لزوجات النبي فقط .. المهم إني لو سألت كتير من المقتنعين تماما إن الحجاب (غطاء الرأس) فرض ، أو الحافظين إنهم مقتنعين ، محدش منهم هيقوللي حتي بالشبه كده ولا واحدة منهم ، هو هيخاف يواجه نفسه ويهز معتقداته ومسلماته !

الحجاب مالوش علاقة بالإسلام بدليل إنه كان موجود قبل الإسلام بألفي عام ، اليهودية غالت في التمسك بيه ومن بعدها المسيحية .. لا توجد آيات صريحة في القرآن تنص علي تغطية "رأس" المرأة وما جاء في القرآن ما كان ينص إلا علي تغطية فتحة الصدر وليس الرأس ، فالإسلام دين يأمر بالحشمة والبعد عن الإبتزال والتبرج ولكنه لم ينص علي تغطية الشعر أو الوجه ، الحجاب فُرِض علي الإسلام وليس الإسلام هو الذي فرض الحجاب ..

نقطة يجب ذكرها .. بعض الفتيات تخلع الحجاب أو لا تضعه أصلا وتتمادي في إظهار جسدها مما يربط عدم الحجاب بأنه لازم يرتبط بالـ"قلع" ..هتسمعني بقول الحجاب مش فرض ، كإنك بالظبط بتسمعني بقول العُري حلال والحشمة تخلّف !

سياسيا بقي وده لازم ..

فيه رأي بيقول إن الثورة الإقتصادية النفطية اللي عاشتها منطقة الخليج العربي خلال القرن الماضي ألقت بظلالها علي كل المنطقة العربية . وبما أن مجتمعات الخليج العربي تتألف معظمها من البدو (المعروفين بالإنغلاق والتعصب الثقافي الشديدين) ، والمذهب السائد فيها هو المذهب الوهابي (السلفي) المتشدد في موضوع المرأة ، فده ساهم في نشر ظاهرة الحجاب في العالم العربي كنوع من العدوي الثقافية . والسبب الأبرز الذي سهل إنتشار هذه العدوي هو حالة الركود والتراجع الثقافي الرهيبة التي تعيشها المجتمعات العربية منذ إنهيار المشروع الوطني (القومية العربية) ، مما ترك هذه المجتمعات بلا أي هوية ثقافية واضحة ومفتوحة للتأثير الخارجي . كمان إنتشار الحجاب يمكن النظر إليه علي إنه رمز إحتجاجي من قبل بعض قطاعات المجتمع علي التغلغل الكبير للثقافة الغربية في المجتمعات العربية .. يعني العولمة أدت للتطرف (اللي هو أحد مظاهره فرض الحجاب بالعافية) للتصدي لها .

طبعا هتفتكرها تحبيشة سياسية لما أقولك كمان إن سبب إصرار الدعاة الإسلاميين علي فرضية الحجاب ، ثم الخمار ، ثم النقاب ، هو سبب فكري وسياسي بحت .. فكري عشان مش معقول شكل المجتمع المنغلق اللي هيوفرلهم التحكم والسيطرة اللي بيدوروا عليهم هيتحقق من غير فرض الحجاب وما يتبعه من تقوقع علي المرأة ، وإثارة الفزع للرجل من تعرضه الدائم للفتنة مع تصوير المرأة له علي كائن كل وظيفته أنه يدخله النار ، يعني بيقمع المجتمع بنصفيه . وكمان سياسي بإستغلاله لضرب من هو غير إسلامي بربطه للدعوة بعدم الحجاب بالدعوة للسفور والتبرج و"القلع" ! .. وطبعا يردد كلامهم مؤيديهم من غير حتي ما يقولوا – المؤيدين - دليل واحد علي كلامهم !

التفسيرات والقراءات السابقة دي نقلا عن مقالات وآراء مسجلة بكتب لكل من :

الدكتور / مصطفي عوض .. مدرس الفكر الإسلامي بجامعة عين شمس "مشكلة عورة المرأة وملبسها"
الدكتور / مصطفي محمد راشد .. أحد شيوخ الأزهر الشريف " الرد علي الفتاوي الوهابية والفكر المتطرف الإرهابي"
الإمام / محمد عبده .. مفتي الديار المصرية عام 1899
المستشار محمد سعيد العشماوي .. "حقيقة الحجاب وحجية الحديث"

أنا تعمدت أذكر الأسماء اللي إستندت ليها في آخر المقال كدعوة لإعمال العقل قبل النقل ، يعني مش عشان شيخ معين أنا مقتنع بيه عشان "حفظت" إني لازم أبقي مقتنع بيه يبقي أول ما أشوف إسمه جنب أي فتوي تبقي صحيحه ، لازم أقتنع . ودي رسالة بوجهها لجميع مريدي شيوخ الفضائيات والفتاوي الهوم ديليفري !

ببساطة .. أنا ضد الحجاب .. وضد اللبس الضيق والعريان .
وببساطة كمان .. اللي شايفة في حجابها إجتهاد ، مجرد إجتهاد ، ليها مطلق الحرية "علي نفسها"
وده زي ما أنا ضد فرض رأيي ده علي أي حد .. وعلي أي بنت تحديدا .